ناصر… الحلم الذي لم يمت ،،

بقلم د / أشرف رضا محمد
دكتور المناهج وطرق التدريس
لم يكن جمال عبد الناصر مجرد رئيسٍ حكم مصر في مرحلةٍ من مراحل التاريخ،
ولم يكن مجرد ضابطٍ قاد ثورة يوليو ثم رحل،
بل كان مشروعَ أمة… وصوتَ شعب… وحلمَ فقراء… وكرامةَ وطن.
وحين نقول اليوم: “كلنا ناصريون”
فنحن لا نتحدث عن انتماءٍ سياسي ضيق،
ولا عن حزبٍ أو جماعة،
بل نتحدث عن قيمةٍ وطنيةٍ عظيمةٍ اسمها: العدالة والكرامة والسيادة الوطنية.
لقد جاءت ثورة يوليو لتنتشل مصر من ظلماتٍ طويلة،
كانت فيها الأغلبية الساحقة من الشعب تعيش على هامش الحياة،
فلاحون حفاة…
عمال مسحوقون…
وأسرٌ كاملة لا تعرف من الوطن إلا الجوع والمرض والحرمان.
كانت مصر قبل يوليو طبقاتٍ مغلقة؛
قِلّةٌ تملك كل شيء،
وكثرةٌ لا تملك حتى حق الحلم.
ثم جاء عبد الناصر…
ففتح أبواب الوطن للفقراء قبل الأغنياء،
وجعل ابن العامل يستطيع أن يصبح طبيباً،
وابن الفلاح مهندساً،
وابن البسيط قائداً ووزيراً وعالماً.
لقد غيّرت ثورة يوليو شكل المجتمع المصري بالكامل،
وأحدثت حراكاً اجتماعياً غير مسبوق،
حين انتقلت مصر من دولةٍ يتحكم فيها الإقطاع والاحتكار،
إلى دولةٍ تحاول أن تبني العدالة الاجتماعية وتحفظ كرامة الإنسان.
جاء قانون الإصلاح الزراعي ليعيد للفلاح إنسانيته،
وأصبحت الأرض لمن يزرعها لا لمن يحتكرها،
وتحوّل الفلاح المصري من عبدٍ عند الإقطاعي إلى مواطنٍ له حق وحلم ومستقبل.
ثم جاءت مجانية التعليم…
ذلك القرار الذي لم يكن قراراً تعليمياً فقط،
بل كان ثورةً حقيقيةً في وجه الفقر والجهل والطبقية.
كم من طبيبٍ ومهندسٍ وعالمٍ وقاضٍ خرج من بيتٍ فقير بفضل مجانية التعليم؟
كم من أسرةٍ كاملة تغيّر مصيرها لأن عبد الناصر قرر أن العلم ليس امتيازاً للأغنياء بل حقاً للفقراء؟
لقد بنى عبد الناصر الإنسان قبل الحجر،
فأنشأ المصانع،
وشق الطرق،
وبنى السد العالي،
وأسس قاعدةً صناعيةً جعلت مصر تُنتج بعد أن كانت تستهلك فقط.
وكان السد العالي معجزةَ إرادةٍ وطنية،
وقف العالم كله تقريباً ضد المشروع،
لكن عبد الناصر قال كلمته الشهيرة للعالم:
إن المصريين قادرون على صنع المستحيل.
فبُني السد،
وحُفظت مياه النيل،
وأُنيرت القرى،
وتحوّل الحلم إلى حقيقة.
ولم تكن عظمة عبد الناصر داخل مصر فقط،
بل تجاوزت حدود الوطن إلى حدود الأمة كلها.
لقد نجح جمال عبد الناصر أن يجمع الأمة العربية حوله،
لأنه كان يتحدث بلسانها الحقيقي،
ويشعر بآلامها،
ويؤمن أن العرب جسدٌ واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له الباقون.
فأصبح صوت القاهرة صوت العرب،
وأصبحت كلمات عبد الناصر تهز الشوارع العربية من المحيط إلى الخليج.
كان الناس يرونه رمزاً للعزة والكرامة،
لأنه رفض الانكسار،
ورفض التبعية،
ورفض أن تكون مصر ذيلاً لأحد.
وحين أمم قناة السويس،
لم يكن يؤمم مجرد ممرٍ مائي،
بل كان يؤمم الكرامة الوطنية نفسها،
وكان يعلن أن زمن الخضوع قد انتهى.
لقد أخطأ عبد الناصر في بعض الملفات؟ نعم… فهو بشر وليس نبياً.
لكن العظماء لا يُقاسون بلحظة سقوط،
بل يُقاسون بما صنعوه في وجدان شعوبهم.
وهل ننسى أن الملايين خرجت تبكيه يوم رحيله؟
هل ننسى أن الأمة العربية كلها شعرت يومها أن ظهراً عظيماً قد انكسر؟
إن حب جمال عبد الناصر ليس عبادة أشخاص،
بل احترامٌ لرجلٍ عاش لفكرة الوطن الكبير،
ومات وهو يحمل همّ الفقراء والبسطاء والمقهورين.
ولهذا سيظل عبد الناصر حاضراً في ضمير الأمة،
وسيظل اسمه مرتبطاً بالعزة الوطنية والعدالة الاجتماعية والكرامة العربية.
كلنا ناصريون…
طالما آمنا أن الفقير له حق،
وأن الوطن لا يُباع،
وأن الكرامة ليست رفاهية،
وأن مصر خُلقت لتكون عظيمة.
رحم الله الزعيم جمال عبد الناصر
الذي لم يكن مجرد رئيسٍ لمصر،
بل كان نبض أمة… وحلم شعب… وصوت تاريخ.



