الانتحار.. صرخة مكتومة ،،،،،

بقلم: د/ أشرف رضا محمد
دكتور المناهج وطرق التدريس
حينما يختنق الأنين في حنجرة الوجود
لم يعد الأمر مجرد حوادث عابرة يطويها النسيان، بل استحال إلى زلزال يضرب أركان السكينة المجتمعية؛ لقد تحول الانتحار من “فعل يأس فردي” إلى ظاهرة مقلقة تدق ناقوس الخطر في كل بيت. إن الأرقام والإحصائيات التي تطالعنا بها التقارير الدولية والمحلية باتت مرعبة، والأخطر من ذلك هو “عدوى المحاكاة”.
إننا نعيش في عصر “التريند القاتل”، فبالأمس بكينا “بسنت سليمان”، واليوم نرتجف خوفاً من أن يتحول الألم الشخصي إلى “مودة” أو صرخة احتجاج يقلدها المراهقون والشباب دون وعي بقدسية الروح. إنها صرخة صامتة في وجه الحياة، لكنها صرخة تحرق قلوب الأحياء وتترك خلفها حطاماً لا يُرمم.
تشريح الوجع: لماذا يختارون الرحيل؟
يرى علماء النفس أن الانتحار ليس رغبة في الموت بقدر ما هو رغبة عارمة في “إيقاف الألم”. فالإنسان حينما تُظلم الدنيا في عينيه، يفقد الرؤية للحلول البديلة..
*ما الأسباب التي تؤدي الي هكذا قرار ؟*
1. الضغوط النفسية والاجتماعية: مثل الاكتئاب السريري، وفقدان الأمل، والشعور بالتهميش.
2. التفكك الأسرى: غياب الحوار داخل المنزل يجعل الشاب يبحث عن “مستمع” فلا يجد سوى جدران الصمت أو رفقاء السوء.
3. النظرة المادية الصرفة: حيث يقاس النجاح بالمظاهر والمال، مما يولد إحباطاً قاتلاً عند أول إخفاق.
غياب الوازع الديني: جفاف الأرواح
لا يمكننا أن نغفل أن الرادع الأقوى للإنسان هو “اليقين”. فقلة الوازع الديني تجعل الروح هشة أمام رياح الابتلاء. حينما يغيب الإيمان بأن الدنيا “دار اختبار” وليست “دار جزاء”، يسهل على الشيطان أن يزين للإنسان فكرة الهروب الكبير.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
هذا النهي الإلهي ليس تقييداً للحرية، بل هو صمام أمان وحماية للروح التي استودعها الله فينا. كما حذر النبي ﷺ من عاقبة هذا الفعل في أحاديث كثيرة تبرز خطورة المآل، ليس تخويفاً من رحمة الله، بل تعظيماً لجرم الاعتداء على النفس التي هي ملك لخالقها.
*المواجهة: كيف ننزع فتيل اليأس؟*
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاتفاً “جباراً” بين المؤسسات الدينية، والتربوية، والطبية:
• إحياء الرقابة الواعية: على الأسرة أن تكون “حضناً” لا “سجناً”، وأن تلاحظ التغيرات السلوكية للأبناء قبل فوات الأوان.
• تجديد الخطاب الديني: بالتركيز على مفاهيم الصبر، والرجاء، وبأن “مع العسر يسراً”، وبث الأمل في النفوس المنكسرة.
• الدعم النفسي المتخصص: يجب نزع “وصمة العار” عن المرض النفسي؛ فالذهاب للطبيب النفسي ليس جنوناً، بل هو شجاعة لإنقاذ الذات.
• الرقابة على المحتوى الرقمي: لابد من التصدي لتمجيد الانتحار في “السوشيال ميديا” حتى لا نرى مأساة بسنت تتكرر في نسخ كربونية مشوهة.
*كلمة أخيرة*
يا كل من ضاقت به الأرض بما رحبت، تذكر أن الله الذي خلق الروح هو أعلم بأوجاعها، وأن ما تمر به هو “سحابة صيف” مهما طال سوادها. إن الانتحار ليس حلاً، بل هو نهاية لا تمنحك فرصة لتقول “آه” أو لتعتذر لمن تحب. استعن بالله، وتشبث بالحياة، فخلف الغيوم شمس تنتظر بزوغك.
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.. صدق الله العظيم.



