مقالات

للعيد وقفة،،،،،

بقلم د/ أشرف رضا محمد

ليس العيد ثوبًا جديدًا نرتديه،

ولا مائدةً عامرةً بالطعام،

ولا زينةً تملأ الشوارع والبيوت فحسب…

بل إن للعيد معنى أعمق، ورسالةً أعظم، ووقفةً لابد منها قبل أن نفرح ونبتسم ونصافح الحياة من جديد.

 

للعيد وقفة…

يقف فيها الإنسان مع نفسه وقفة صدقٍ لا مجاملة فيها،

يراجع أخطاءه، ويتأمل خطواته، ويعيد النظر في كثيرٍ من أمور حياته التي بعثرها الغضب، وأفسدتها القسوة، وأتعبتها مشاغل الدنيا وصخب الأيام.

 

كم من قلبٍ ابتعد عن نقائه الحقيقي!

وكم من روحٍ أنهكها الجري خلف المادة والمظاهر حتى نسيت طعم الطمأنينة!

وكم من إنسانٍ يعيش بين الناس بجسدٍ حاضر، لكن قلبه غائب، وروحه مثقلة، ونفسه متعبة!

 

وهنا تأتي وقفة العيد…

كي نعود إلى أنفسنا قبل أن نعود إلى الآخرين،

كي نتصالح مع أرواحنا، ونعترف بتقصيرنا، ونغسل قلوبنا من تراكمات الحزن والخصام والكراهية.

 

فالعيد الحقيقي ليس في ضحكة الوجه فقط،

بل في راحة القلب، وسلام النفس، وصفاء الروح.

 

ولعل أجمل ما في العيد أنه يمنحنا فرصة نادرة لإصلاح ما أفسدته الأيام…

فرصة لإعادة الجسور التي هدمتها الخلافات،

وإحياء العلاقات التي أطفأها العناد والكبرياء،

ومدّ الأيدي التي طال انتظارها للمصافحة والاحتواء.

 

ما أجمل أن يتحول العيد إلى بداية جديدة!

أن يرفع الأخ سماعة الهاتف ليطمئن على أخيه،

وأن يطرق الصديق باب صديقه بعد طول غياب،

وأن يتنازل الكبير قبل الصغير،

وأن نُسقط من قلوبنا كل مشاعر القسوة والخصام.

 

فالحياة أقصر من أن نستهلكها في العتاب الطويل،

وأجمل من أن نعيشها غرباء رغم قرب المسافات.

 

إننا في زمنٍ ازدادت فيه المشاحنات، وقلت فيه المودة، وتفرقت فيه القلوب رغم كثرة اللقاءات، حتى أصبح كثير من الناس يعيشون في وحدةٍ مؤلمة وسط الزحام.

 

ولهذا…

فإن للعید وقفةً واجبة،

وقفة نعيد فيها ترتيب أرواحنا،

ونفتح فيها نوافذ الرحمة والمحبة والتسامح،

ونعيد للحياة طعمها الطبيعي الجميل الذي افتقدناه وسط ضجيج المصالح والخلافات.

 

تعالوا نجعل هذا العيد عيدين:

عيدًا تُشرق فيه الوجوه،

وعيدًا تُبعث فيه القلوب من جديد.

 

عيدًا نرتدي فيه الثياب الجديدة،

ونخلع فيه كذلك أثواب القسوة والخصام والأنانية.

 

عيدًا نُدخل فيه السرور على الآخرين،

ونزرع فيه الطمأنينة داخل أنفسنا.

 

فالإنسان لا يكبر بالعمر وحده،

بل يكبر حين يتعلم كيف يسامح، وكيف يراجع نفسه، وكيف يعود إلى فطرته النقية مهما ابتعد.

 

وفي النهاية…

يبقى أجمل ما في العيد

أن تعود النفس إلى أصلها الطيب،

وأن يعود الإنسان إنسانًا كما أراده الله:

قلبًا يحمل الرحمة، وروحًا تعرف الصفح، ونفسًا تُحب الخير والسلام.

 

وكل عيدٍ وأنتم إلى الله أقرب،

وإلى الناس أرحم،

وإلى أنفسكم أصدق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى