رُفِعَتِ الرحمةُ… وجفَّتِ المشاعر،،

بقلم: د. أشرف رضا محمد
دكتور المناهج وطرق التدريس
هل ما زلنا نشعر حقًا؟
سؤالٌ بسيطٌ في ظاهره، عميقٌ في جوهره، يفرض نفسه بقوة على واقعنا المعاصر. فبين زحام الشاشات، وتسارع الإيقاع اليومي، وضجيج العالم الرقمي، تراجعت مساحة الإحساس داخل الإنسان حتى كادت تختفي. لم يعد الصمت لغةَ تفاهم، ولا النظرة رسالةَ حب، ولا القرب دفئًا يُحتمل؛ بل أصبح كل شيءٍ سريعًا، سطحيًا، وقابلًا للاستبدال.
نعيش اليوم حقبة «الجمود الوجداني»، حيث تحوّلت القلوب إلى مضخاتٍ بيولوجية تؤدي وظيفتها دون روح، والعقول إلى معالجاتٍ رقمية لا تعرف إلا الحسابات. والمتأمل في حال الأجيال الحالية يدرك أننا أمام منعطفٍ إنساني خطير؛ فقد جفّت منابع المشاعر، وانطفأت القلوب التي كانت يومًا تنبض بالحياة.
لقد أصبح الإنسان المعاصر، تدريجيًا، نسخةً تشبه أجهزته الذكية؛ صلبٌ من الخارج، باردٌ من الداخل، سريعُ الانكسار أمام أول أزمة.
من إنسان… إلى رقمنة البشر
في زمنٍ ليس ببعيد، كانت الإنسانية هي الأصل، وكانت العلاقات تُبنى على المودة والرحمة، لا على المصالح المؤقتة. كان الحب التزامًا، والصبر خُلُقًا، والتضحية قيمةً لا يُستغنى عنها.
أما اليوم، فقد انتقلت «البرمجة» إلى وجدان الإنسان؛ فأصبح كثيرون يتعاملون مع علاقاتهم بمنطق الحذف والحظر. غابت المرونة، وقلّ الصبر، واختنق الحب تحت وطأة المادية.
صار الإنسان كجهازه: يعمل بكفاءة ما دام «مشحونًا»، وينطفئ عند أول خلل. ومع هذا التحول، تآكلت الأحاسيس، وفقدت الكلمات معناها، وأصبحت المشاعر تُختزل في رموزٍ باردة لا روح فيها.
حين تنطق الأرقام… يصرخ الواقع
لم يعد هذا الحديث مجرد تأملات، بل صار واقعًا تؤكده الظواهر:
• ارتفاعٌ ملحوظ في حالات الطلاق، خاصة في السنوات الأولى، بما يعكس هشاشة الروابط الإنسانية.
• تزايد قسوة الجرائم، حتى باتت تُرتكب ببرودٍ يشي بغياب الضمير.
• انتشار الشعور بالوحدة رغم كثرة «المتابعين»، وهو ما يدفع البعض إلى حافة اليأس.
إنها مؤشرات واضحة على خللٍ عميق في البنية الوجدانية للإنسان.
بين زمن القلب… وزمن النقر
كان الماضي زاخرًا بقيمٍ إنسانية راسخة: التضحية، الصبر، الاحتواء.
أما الحاضر، فقد طغت عليه النزعة النفعية، وسادت فيه ثقافة الاستغناء السريع.
كان العشّاق يتبادلون نظراتٍ تفيض حبًا، ورسائل تُكتب بماء الشوق؛
أما اليوم، فحلّت محلها شاشاتٌ باردة، وإشاراتٌ مختصرة، وعلاقاتٌ هشة.
كان التسامح عنوان العلاقات، والود جسر التواصل؛
أما الآن، فباتت القطيعة أقرب، والغضب أسرع، والعنف أشيع.
كان البيت موطن الدفء الحقيقي؛
أما اليوم، فكثيرٌ من البيوت مجرد مساحاتٍ صامتة، يجتمع فيها الأفراد… وتتباعد فيها القلوب.
التربية الوجدانية… طوق النجاة
لم تعد المشكلة تعليميةً فحسب، بل هي أزمة «مناهج حياة».
نحن في حاجةٍ ماسّة إلى إحياء التربية الوجدانية؛ أن نُعلّم أبناءنا كيف يحبّون، وكيف يرحمون، وكيف يشعرون بالآخر.
علينا أن نُعيد للكلمة الطيبة مكانتها، وللموقف الإنساني قيمته، وللعلاقات معناها الحقيقي.
وأخيرًا: لقد جفّت المشاعر حين أهملنا سقيها، وانطفأت القلوب حين استبدلناها بآلاتٍ لا تشعر.
فهل نفيق قبل أن يتحول العالم إلى مساحاتٍ باردة بلا دفء ولا روح؟
إن قتل الحب هو أسرع طريقٍ لقتل الحياة…
فلنُحيِ قلوبنا قبل أن تنبض بلا إحساس، وقبل أن نعيش أحياءً… بلا حياة.



