كلمة شرف ،،،،

بقلم: د. أشرف رضا محمد
إن قدسية الكلمة ليست ترفاً فكرياً، بل هي أصل من أصول الإيمان. فالخالق سبحانه وتعالى جعل “الكلمة الطيبة” كشجرة ثابتة الجذور، والالتزام بالعهد واجباً لا يسقط. يقول الله تعالى في محكم تنزيله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
وهذا النداء الرباني ليس مقصوراً على العقود المكتوبة والموثقة، بل يشمل كل عهد يقطعه المرء على نفسه. فالرجل الذي يعطي كلمته، إنما يرهن دينه وكرامته بين يدي الله، وقد وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾
في السينما المصرية، يظل فيلم “كلمة شرف” أيقونةً تتجاوز حدود الشاشة؛ حيث جسّد البطل بعبقرية دور السجين الذي يطلب “ساعات من الحرية” لزيارة زوجته المريضة مقابل “كلمة شرف” بالعودة لزنزانته. تلك اللحظة التي وقف فيها مأمور السجن أمام ضميره ليثق في كلمة رجل، هي ذاتها اللحظة التي نحتاج أن نقف عندها اليوم. إنها ليست مجرد دراما سينمائية، بل هي تجسيد لحقيقة كبرى: الإنسان موقف.. والموقف كلمة. والرجل كلمة … والكلمة عهد …والعهد دين.
لقد علمنا النبي ﷺ أن الكلمة هي المعيار الذي يُقاس به صدق الانتماء لهذا الدين وللخلق الرفيع؛ فكان يحذر أشد التحذير من استسهال نقض العهود، معتبراً إياها علامة من علامات النفاق. يقول المصطفى ﷺ:
“آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”.
فالرجل الحقيقي هو الذي يزن كلمته قبل أن ينطق بها، فإذا خرجت منه أصبحت قيداً على معصمه لا ينفك إلا بالوفاء. إن ضياع “كلمة الشرف” في مجتمعاتنا يعني ضياع الثقة، وإذا ضاعت الثقة انفرط عقد المجتمع وتحولنا إلى جزر معزولة من الشك والريبة.
تربية الأبناء على “حرمة العهد”
إننا اليوم بحاجة ماسة لترسيخ هذه القيم في نفوس أبنائنا. يجب أن يتعلم الطفل أن “الوعد” ليس وسيلة للمراوغة أو للهروب من موقف آني، بل هو “دين” كما قال بعض السلف: “وعدة المؤمن دَيْن”.
• التربية بالقدوة: عندما يرى الابن والده يفي بوعده رغم الصعاب، فإنه يتعلم أن الرجولة التزام.
• غرس مخافة الله: تذكير الأجيال بأن الله شاهد على كل كلمة، لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء).
• عزة النفس: تعميم فكرة أن من لا يفي بكلمته لا يهين الآخرين فحسب، بل يهين نفسه ويُسقط قدره.
ختاماً..
إن العودة لزمن “كلمة الشرف” ليست نكوصاً للماضي، بل هي طوق نجاة للمستقبل. فليكن شعارنا دوماً أننا أمةُ كلمة، وأبناء عهد. فإذا قيل “كلمة شرف” من رجل، فكأنما صِيغت في وثيقةٍ لا تمحوها الأيام، ولا تغيرها الظروف.
فالإنسان كلمة.. والكلمة عهد.. والعهد مسؤولية أمام الله والتاريخ.



