جيهان الشاهد تكتب: السوشيال ميديا.. منصة للترفيه أم مرآة للانحدار الأخلاقى؟
بقلم المستشارة: جيهان الشاهد
لم تَعُد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد منصّات للترفيه أو تبادل الأخبار، بل أصبحت مرآة واضحة تعكس ما يحدث في المجتمع من تحوّلات فكرية وأخلاقية، وقد كشفت هذه المرآة خلال السنوات الأخيرة عن حالة مقلقة من الانحدار الأخلاقي والتشوّه القيمي، ظهر جليًا في المنشورات والتعليقات ومظاهر التفاعل اليومي بين الناس .
زوجة تشتكي والجمهور يصفّق للسلوك غير السوي
انتشر مؤخرًا منشور لإحدى السيدات تشكو فيه من تصرّفات زوجها في التجمعات العائلية ، بسبب مزاحه المبالغ فيه ، وحركاته الطفولية، ورقصه وتصرفاته غير الرزينة التي تُسبّب لها إحراجًا.
لم تكن شكواها سوى رغبة في رجلٍ يتّسم بالوقار والاتزان.
لكنّ المفاجأة أنّ مئات التعليقات جاءت على عكس المتوقع ؛ إذ سخر كثيرون منها، واعتبروا أنّ زوجها “فرفوش” وأنّ المشكلة فيها هي لأنها “نكديّة”.
هذا المشهد يُظهر خللًا حقيقيًا في فهم الرجولة والنُضج والمسؤولية، حيث أصبح التهريج قيمة ممدوحة، بينما الوقار يُنظر إليه باعتباره عيبًا أو صفة قديمة عفا عليها الزمن.

طبيب وسيم وتعليقات تتجاوز حدود اللياقة
وفي مثال آخر ، نشر طبيب وسيم صورة له مع إعلان مهني عن مواعيد الاستشارات.
غير أنّ التعليقات النسائية اتّجهت نحو الإعجاب المبالغ فيه، بل وصلت إلى المعاكسة الصريحة والغير لائقه في مساحة عامة مفتوحة للجميع .
الأدهى من ذلك أنّ بعض الرجال ممن شاهدوا التعليقات التقطوا تلك التعليقات وأرسلوها إلى أزواجهم وخُطّابهم، وهو ما نتج عنه بالفعل بعض حالات الانفصال وفسخ الخطوبات.
والأغرب أنّ اللوم لم يُلقَ على من ارتكب السلوك غير اللائق ، بل وُجّه إلى الرجال الذين كشفوا الأمر، واتُّهموا بأنّهم “خرّبوا البيوت”، متجاهلين أنّ السلوك الأصلي هو السبب الحقيقي وراء المشكلة.
لماذا يحدث هذا الانحدار ؟
1. غياب معايير الحياء والاتزان
بات كثيرون يمارسون ما يشاؤون علنًا بلا ضابط أخلاقي، وكأنّ الفضاء الرقمي منفصل عن قواعد السلوك الإنساني.
2. ثقافة السطحية والتريند
أصبح البحث عن الإعجاب والمشاهدات أهم من الحفاظ على القيم والسلوك المحترم .
3. تشوّه مفهوم الصواب والخطأ
صار الخطأ يُبرَّر، والصواب يُسخَر منهز، وكل من يُنادي بالقيم يُتّهم بالتعقيد أو الرجعية.
4. ضعف الدور التربوي والإعلامي
غياب خطاب يُعيد تشكيل الوعي أدى إلى انتشار ثقافة الأخذ بالهزل وترك القيم الأساسية.
إذن ما هي الحلول الواقعية لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية ؟
إنّ مواجهة هذا الانحدار ليست مهمة مستحيلة، بل تبدأ من جهدٍ واعٍ يشارك فيه الجميع عبر خطوات عملية، من أهمها :
1. التربية على المسؤولية الرقمية
تعليم الأفراد أنّ لكل كلمة وتعليق أثرًا، وأنّ السلوك الرقمي ليس منفصلًا عن الأخلاق الحقيقية .
2. الالتزام بحدود السلوك اللائق في المساحات العامة .
على الرجال والنساء إدراك أنّ الحياء قيمة إنسانية لا تُقيّد الحرية، بل تُهذّبها.
3. نشر الوعي بخطورة التعليقات المسيئة
توضيح أنّ كلمة واحدة قد تهدم أسرة أو تجرح إنسانًا أو تسبب أزمة اجتماعية.
4. دور المؤثرين والإعلام
تشجيع الإنتاج الإعلامي الذي يدعم الذوق العام ويحترم القيم، بدلًا من ترويج التفاهة.
5. دعم السلوك الإيجابي والرزين
منح التقدير لمن يتمسك بالاتزان والوقار، حتى لا تتحول السخرية من القيم إلى ثقافة عامة.
6. تفعيل القوانين المنظمة للتعامل الرقمي
الإبلاغ عن الإساءة وتعزيز العقوبات على التنمر والتعدي اللفظي .
7. عودة الحوار الأسري
عندما تتحدث الأسرة مع أفرادها عن الصواب والخطأ، تصبح المنظومة القيمية أكثر ثباتًا أمام تأثيرات السوشيال ميديا .
إصلاح الواقع الأخلاقي يبدأ من كلمة، من موقف، ومن وعي بأنّ الفضاء الرقمي ليس عالمًا بلا قواعد، بل ساحة تُختبر فيها القيم الحقيقية. وعندما يدرك كل فرد أنّ احترامه لنفسه ولغيره هو أصل كل علاقة صحيحة، سيعود ميزان الأخلاق إلى مكانه الصحيح مهما تغيّرت أدوات العصر.



