فن وثقافة

تراتيل العمر

 

نشوه طلعت تكتب :

بعد سنوات مضت لا أعرف عددها، أبدأ الرحلة ذاتها، فقد أخذنى الحنين لأيام الطفولة فطفت صور الذكريات لمخيلتى، من كنز أحلامى، التى تسعفنى عندما تشتد الحاجة إليها، إلى كل ما هو جميل يصبرنى لكى أستمر ولا أشتهى للموت.

فحين ألقى نفسى أتخبط فى قاع الحزن بين رعشة الحلم، والوهم، أحتضن ذكرياتى التى حاول الزمن ابتلاعها.

فأنا العائدة من الغربة، وحيدة، منفردة، كل شئ مات حولى، وأعتقلت الغيوم السوداء قمر ليلى، فقد كنا حبيبات الرذاذ البيضاء تغسل وجوهنا، وتلامس شفاهنا، فنمتصها كما نمتص حبة السكر، كنا سعداء كسعادة المراهق لحظة لقاء الحب الأول.

فأتذكر حبيبى وأنا متجولة فى الطرقات أغنى بحبه، جماله، فأتمنى أن أقطع الطرق لأخوض من أجله صراعاً مع خفافيش الظلام، والمسوخ، والأقزام. وأنظف قلبة من الأشواك. فروحى تزأر من آلام حبيبى الذى تستباح كل يوم حتى الموت.

فأتمنى أن يبعث الله لى طيراً، وحين يلقى الليل بروائه على جسد حبيبى، نتماسك وتتحد أيدينا، نهب على اليل كأجساد بعث الله فيها الأرواح بعد أن فارقتها الحياة، ونهتف للفجر وندعوه:

أقتل الأشرار الذين يزرعون الرعب فى عيون حبيبى، والجوع فى بطنه، أنتصب أيها الفجر ضد القوانين التى تحمى الأغنياء، والأوغاد، إسحقهم،ولا تزر وازرة وزر أخرى.

أغمضت عينى لبرهة، ثم فتحتهما، ونظرت حولى بلا خوف أو قلق، أنبعث شئ بداخلى من مخاض ذلك الشعور الذى تجلى لى، وأنا أتذكر عينى حبيبى. إجتاز أحاسيس الزمان والمكان فجأة، تخطيت الكآبة، الآلام، والواقع المرير الذى انزرعت فى كل جوانبه أشباح هشة أشبه برماد غطته المياه. مزقت كل الأحتمالات لأصل لحبيبى.

وأخبره جئتك اليوم أريد أن أصلى معك، ولك. لأنسج من همومك خلايا وجودى، لألبس من عذاباتك درعاً يعلمنى ما لا أعلمه عنك، لأشرب تاريخك خمرة المُسكر وأرد إلى عينيك بريق الحياة.

وسأخبره بأن رحلتى إليه كانت مغامرة الوجود والحياة متدرجة بين التاريخ والتقاليد والأمل . ولطالما أنتظرت أن أكون إلى جانبك. 

وسأرسمك عشقاً لا ينتهى، وأعلن أن غربتى باطلة، وأبتعادى عنك ضلال، فحبك المقيم فى قلبى، الموغل فى وجودى. بعد خريف الغربة والضياع والخوف، أستيقظ شعوراً رائعاً بداخلى. فأنا اليوم فى صدرى يوغل قلبك، وشرايينى تتغذى من كلماتك. وشفاهى تخرج كل الحروف منها أغنيات عنك،. وسنعيش فى العدل وطن الضوء، الخيرات، الماء، والشمس.

وعندما قابلته صرخ صرخة صاحبها بكاء الألم والحنين سألته: فى كل محنتك. كنت معك فمنذ تجرعت الظلم وكان القهر كاسك كان قلبى يصلى لك أشعرت يوماً بيد حانية تلامس رأسك؟ هل رأيت ملاكاً جميلاً فى منامك، هل سمعت لحنا سماوياً يناجى قلبك؟ هل اجتاحت رائحة الياسمين كل حواسك؟رد قائلاً:

  • حبيبتى، الحب ميراث مقدس. وحبك حمل إلى شعلة الحقيقة الأبدية. وأنا الآن بين يديك مستعد للتضحية، لأصنع من قضيب الحديد أبره، لأخيط بها معك ثياباً لأطفال حبنا الذين سيولدون. فأنت ميلادى، وأنا من ضلوعك واحد، خلاف ما يقال.

ما أعظمك حبيبتى. حبك أعاد إلى وجودى، وأعاد إلى شهادة ميلادى المنسية: إنسان.  

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: