مقالات

هندسة التمكين : رؤية استراتيجية لمشاركة المرأة في منظومة السلامة الذكية 2026

بقلم: سوسو صبري

بين جدران المعامل الكيميائية، وفي ردهات المواقع الإنشائية والمصانع التي قضيت فيها سنوات عمري المهني منذ عام 2004، تعلمت أن السلامة ليست مجرد “كود” يُحفظ أو “قانون” يُطبق، بل هي قبل كل شيء إحساس عميق بالمسؤولية.

واليوم، ونحن في عام 2026،

وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة، تتجدد الدعوة إلى إعادة النظر في دور المرأة داخل القطاعات المهنية المختلفة، وعلى رأسها قطاع السلامة والصحة المهنية. فتمكين المرأة في هذا المجال لم يعد مجرد مطلب اجتماعي أو حقوقي، بل أصبح ضرورة تنموية واقتصادية، تؤكد أن مشاركة المرأة تعني توسيع دائرة الخبرة وتعزيز القدرة على إدارة المخاطر وبناء بيئات عمل أكثر أمانًا واستدامة.

إن وجود المرأة في منظومة السلامة ليس حضورًا رمزيًا، بل إضافة نوعية تسهم في تطوير الفكر الوقائي وترسيخ ثقافة الأمان داخل مواقع العمل، بما يضمن حماية الإنسان باعتباره القيمة الأهم في أي منظومة إنتاجية.

ما وراء التواجد الرقمي

لم يعد الحديث عن مشاركة المرأة في إدارة السلامة والصحة المهنية ترفًا حقوقيًا أو محاولة لملء حصص عددية، بل أصبح ضرورة تفرضها تحولات سوق العمل العالمي.

نحن اليوم لا نبحث عن مجرد تواجد للمرأة في مواقع العمل، بل نبحث عن بصمة قيادية تعيد صياغة مفهوم الأمان؛ بحيث ننتقل من ثقافة الاستجابة للحوادث إلى منهج الاستشراف الاستباقي للمخاطر.

السلامة ليست عضلات… بل عقل وتحليل

كثيرًا ما سُئلت: كيف يمكن لامرأة أن تدير منظومة سلامة في بيئات عمل معقدة؟

وكانت إجابتي دائمًا أن السلامة تُبنى بثلاثة عناصر أساسية:

عين تلاحظ التفاصيل الدقيقة.

عقل يحلل المخاطر قبل وقوعها.

قلب يرى في كل عامل إنسانًا يجب أن يعود إلى أهله سالمًا.

إنني أؤمن بأن قدرة المرأة على الانتباه للتفاصيل الدقيقة تمثل أحد أهم عناصر القوة في مواجهة حوادث العمل.

تفكيك العوائق: من التنميط إلى التمكين الهيكلي

تشير الدراسات إلى أن الفجوة في تمثيل المرأة في قطاع السلامة والصحة المهنية – والتي تقارب 22% عالميًا – لا تعود إلى نقص الكفاءة، بل إلى قصور في تصميم بيئة العمل نفسها.

ومن هنا، تتطلب المرحلة المقبلة حلولًا أكثر عمقًا، منها:

أنسنة التكنولوجيا

بدلًا من إجبار المرأة على التكيف مع بيئات عمل شاقة، ينبغي توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتطوير منصات الرقابة الذكية عن بُعد.

إدارة البيانات الحساسة للنوع الاجتماعي

وذلك عبر بناء استراتيجيات سلامة تأخذ في الاعتبار الاختلافات الفسيولوجية والنفسية بين الرجال والنساء، لضمان حماية أكثر شمولًا.

التكنولوجيا… حين تنصفنا الرقمنة

أؤمن بأن الرقمنة تمثل فرصة حقيقية لتمكين المرأة في قطاع السلامة.

فلم يعد مطلوبًا من خبيرة السلامة أن تتسلق الرافعات أو تخوض المخاطر الميدانية لتثبت كفاءتها، بل أصبح بإمكانها إدارة منظومات السلامة بكفاءة عالية من خلال أدوات التحليل الذكي، مثل:

التحليل السيبراني للمخاطر: قراءة لوحات البيانات وتحليل الاحتمالات قبل وقوع الكارثة.

التدريب الافتراضي (VR): محاكاة الحوادث في بيئات افتراضية آمنة تقلل المخاطر الميدانية وتزيد من كفاءة التدريب.

من حماية المرأة… إلى تمكين بصمتها

لقد عاصرت الكثير من القوانين، ومع التوجهات الحديثة للتشريع المصري، أصبح من الضروري الانتقال من مفهوم حماية المرأة من العمل إلى مفهوم حماية المرأة في العمل.

فالمرأة لا تحتاج إلى قوانين تعزلها أو تضعها في خانة الطرف الأضعف، بل تحتاج إلى مساحات عادلة للإبداع والمشاركة، وإلى تفعيل مواد القانون التي تضمن بيئة عمل خالية من التمييز.

إن الاستدامة البشرية لا تتحقق إلا عندما تكون المرأة شريكًا أصيلًا في صياغة السياسات وليس فقط في تنفيذها.

كلمة أخيرة… من واقع التجربة

إلى كل شابة تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال:

لا تحاولي أن تكوني “رجلاً” كي تنجحي، بل كوني امرأة بكل ما تحمله الكلمة من دقة وحس ومسؤولية.

فالسلامة في جوهرها تعني الرعاية، ولا أحد يجيد الرعاية بقدر المرأة.

لقد بدأت رحلتي المهنية منذ أكثر من عشرين عامًا ككيميائية، لكنني أدركت مع مرور الوقت أن أهم تفاعل في حياتي المهنية لم يكن ذلك الذي يحدث داخل الأنابيب، بل ذلك الذي يحدث بين الإنسان والأمان.

فالسلامة ليست غياب الحوادث، بل حضور القدرة على إدارتها بذكاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى